المعاينة الإلكترونية أمام المفوض القضائي — مقدمة
في مآل مفهوم المادية بين اليقين الحسي وسراب الشاشة
المعاينة الإلكترونية أمام المفوض القضائي
في مآل مفهوم المادية بين اليقين الحسي وسراب الشاشة
لم تكن المعاينة، في تاريخها الطويل، مجرد إجراء إثباتي بين إجراءات أخرى، بل كانت طقسًا معرفيًا قائمًا بذاته: رجل القانون ينتقل بجسده إلى حيث تكمن الواقعة، فيقف أمامها عاريةً من كل تأويل، يفتح حواسه لها كما يفتح القاضي أذنه للشهادة، ثم يخرج من هذا اللقاء بورقة لا تحمل رأيًا ولا تدّعي حكمًا، وإنما تشهد بأن عينًا أمينة قد رأت، وأن يدًا نزيهة قد سجّلت. في هذا التماس المباشر بين الجسد والشيء كانت تكمن قوة المحضر، وفيه وحده كانت تُستمد شرعيته: فما دام المفوض القضائي قد رأى بنفسه، ولم يُضِف من عنده شيئًا، فإن ما يكتبه يقترب من اليقين أكثر مما يقترب أي دليل آخر إليه.
غير أن هذا اليقين البسيط، الذي بُني عليه صرح المعاينة التقليدية طوال قرون، وجد نفسه اليوم أمام سؤال لم يكن في الحسبان: ماذا لو لم يعد للواقعة جسد؟ ماذا لو كانت الشهادة التي يُطلب من المفوض القضائي أن يعاينها لا تقيم إلا في ذاكرة معالج، ولا تظهر إلا على سطح زجاجي مضيء، ولا تترك أثرًا في المكان الذي تحدث فيه، لأنها لا تحدث في مكان على الإطلاق؟ لقد بات المفوض القضائي، الذي تدرّب على قراءة الجدران المتصدعة والأبواب المخلوعة والبضائع التالفة، يُستدعى اليوم ليقف أمام منشور يختفي بعد لحظات، أو محادثة قد تُمحى بضغطة إصبع، أو حسابٍ لا يُعرف من يقف خلف اسمه. وهنا، عند هذه العتبة بالذات، يبدأ هذا الكتاب.
فحين نصَّ المشرّع المغربي، في المادة 43 من القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، على أن من مهام هذا المهني إجراء "معاينات مادية مجردة من كل رأي"، فإنه لم يكن يتصور، على الأرجح، أن كلمة "مادية" ستتحول، بعد سنوات قليلة، إلى أخطر ألغاز النص. فهل قصد المشرّع بالمادية طبيعة الشيء الذي يُعاين، بحيث لا يكون هناك محل للمعاينة إلا فيما يُمَسّ ويُرى بالعين المجردة في العالم الملموس؟ أم أنه قصد بها طبيعة العمل ذاته، أي أسلوب إدراك المفوض القضائي للواقعة، بصرف النظر عن كون هذه الواقعة قائمة في حجر أو في شاشة؟ هذا السؤال، الذي يبدو للوهلة الأولى سؤالًا لغويًا أو تقنيًا محضًا، هو في الحقيقة سؤال في فلسفة الإثبات ذاتها، وهو السؤال الذي يحاول هذا الكتاب أن يجيب عنه، لا بالحسم المتعجل، بل بالتفكيك الهادئ.
أولًا — المادية إدراك لا موضوع
يميل الفهم الأول، الساذج في بساطته، إلى القول بأن الفارق بين معاينة جدار ومعاينة شاشة فارق جوهري لا يحتمل النقاش: ففي الحالة الأولى يقف المفوض القضائي أمام شيء له وجود مستقل عنه، وفي الحالة الثانية يقف أمام تمثيل عابر لواقعة لا يملك عليها سلطانًا. غير أن هذا الفهم، على وجاهته الظاهرة، يُخفي مغالطة دقيقة: فالمفوض القضائي الذي يقف أمام الجدار المتصدع لا يُدرك "الجدار في ذاته"، بالمعنى الفلسفي الصارم للعبارة، وإنما يُدرك المظهر الذي وصل إلى حواسه، في لحظة بعينها، ومن زاوية بعينها، وبقدر ما تسمح به إضاءة المكان وحدة بصره. إنه يرى الشرخ، لكنه لا يعرف، بمجرد النظر، متى ظهر، ولا لماذا ظهر، ولا إلى أي عمق امتدّ في جوف الجدار. فإدراكه، مهما بدا مباشرًا، إدراك جزئي محكوم بلحظته.
ومن هذا المنطلق، فإن جوهر المعاينة، منذ نشأتها، لم يكن يومًا إحاطة كاملة بالشيء المعايَن، بل كان دومًا تثبيتًا أمينًا لما وقع تحت إدراك المفوض القضائي المباشر، دون أن يضيف إليه رأيًا أو استنتاجًا أو تأويلًا. وإذا كانت هذه هي حقيقة المعاينة، فإن البيئة الرقمية لا تُلغيها، بل تُعيد رسم المسافة الفاصلة بين الواقعة وبين إدراكها. المسافة تتغير، لا الفعل ذاته. وهذا هو المدخل الذي يقترحه هذا الكتاب لإعادة قراءة المادة 43: أن نبحث عن المادية لا في طبيعة الشيء، بل في نزاهة العين التي تراه.
ثانيًا — من "ماذا رأى؟" إلى "ماذا يثبت ما رآه؟"
غير أن قبول هذا المدخل الفلسفي لا يُغلق النقاش، بل يفتحه على مصراعيه، لأن الصعوبة الحقيقية في المعاينة الإلكترونية لا تكمن في الرؤية بحد ذاتها، وإنما فيما تسمح هذه الرؤية بإثباته. فإذا فتح المفوض القضائي هاتفًا محمولًا ووجد محادثة معروضة على شاشته، فإن وصف هذا المشهد يبقى، من الناحية التقنية، ممكنًا ويسيرًا: جهاز بعينه، تطبيق بعينه، نصوص ظاهرة، تواريخ معروضة بجانبها. لكن هل يُثبت هذا الوصف أن شخصًا بعينه هو من أرسل تلك الرسائل؟ وهل يُثبت أن محتواها لم يتغير منذ صياغتها الأولى؟ وهل يُثبت أن التاريخ الظاهر على الشاشة هو بالفعل تاريخ وقوع الواقعة، لا تاريخ عرضها فحسب؟
هنا تنكشف، بكل حدتها، ما يمكن تسميته بـ"المسافة الإثباتية": تلك الهوة الفاصلة بين ما وقع فعلًا تحت حاسة المفوض القضائي، وبين الواقعة القانونية التي يُراد من المحضر أن يُثبتها. وقوة المحضر الإلكتروني، في نهاية المطاف، لا تُقاس بمقدار جرأته في القطع بالحقائق، بل بمقدار دقته في تعيين حدود ما أدركه. فالمحضر يزداد قوة كلما ضاقت الفجوة بين ما يقوله وبين ما يملك دليلًا مباشرًا عليه، ويزداد ضعفًا كلما قفز، دون سند، من وصف ما ظهر على العرض إلى تقرير الحقيقة الكاملة التي يفترضها ذلك العرض ضمنيًا. والخلاصة التي يبني عليها هذا الكتاب فصولَه هي أن المعاينة الإلكترونية لا تفشل لأنها رقمية، بل تفشل حين تحمّل نفسها أكثر مما تستطيع أن تثبته.
ثالثًا — الواقعة الرقمية: طبقات لا طبقة واحدة
ومما يزيد المسألة تعقيدًا أن البيئة الرقمية تأبى أن تُختزل في مستوى واحد من الإثبات، وتفرض على الباحث تفكيك الواقعة إلى طبقات متتالية، لا تُغني إحداها عن الأخرى. فهناك، بدايةً، طبقة وجود المحتوى: هل ظهر النص، أو الصورة، أو الملف، أمام المفوض القضائي فعليًا أثناء انعقاد المعاينة؟ ثم تليها طبقة مصدر العرض: من أين جاء هذا المحتوى؟ هل هو معروض من حساب بعينه؟ أهو محفوظ داخل ذاكرة الجهاز؟ أم أن أحد أطراف النزاع هو من قدّمه بنفسه للمعاينة؟ ثم تأتي، بعد ذلك، الطبقات الأشد دقة: سلامة المحتوى من كل تعديل، أصالته، نسبته إلى شخص طبيعي بعينه، واستمرارية هذه النسبة عبر الزمن رغم قابلية المحتوى الرقمي للتحوير والحذف والاستنساخ.
والحقيقة التي يقترحها هذا الكتاب، ويحاول أن يؤسس لها منهجيًا في فصوله، هي أن الهوية الرقمية — اسم حساب، رقم هاتف، عنوان بريد إلكتروني — لا تكشف بذاتها، وفي أغلب الأحوال، عن الشخص الطبيعي الكامن خلفها. فالمحضر الإلكتروني القوي ليس ذلك الذي يُقرر أن الحقيقة قد ثبتت بكامل طبقاتها، بل ذلك الذي يُحدد، بأمانة ودقة، أيّ طبقة من هذه الطبقات المتراكبة قد تمكن المفوض القضائي فعلًا من معاينتها ووصفها، تاركًا الطبقات الأخرى لما يليق بها من وسائل إثبات أخرى: خبرة تقنية، أو تحقيق قضائي، أو قرينة تُضاف إلى قرائن.
رابعًا — مشروعية الطريق إلى الشاشة
ولا تبدأ الإشكالية، على أي حال، عند لحظة ظهور المحتوى أمام عيني المفوض القضائي، بل قبل ذلك بخطوة حاسمة: كيف وصل إلى هذا المحتوى أصلًا؟ فثمة فارق جوهري بين صفحة إلكترونية عامة، متاحة لكل من يريد الاطلاع عليها، وبين حساب خاص، أو جهاز يعود لشخص آخر، أو مراسلات محمية بسياج من السرية القانونية والتقنية معًا. وقد يبلغ المحضر غاية الدقة في وصف ما ظهر أمامه، ومع ذلك يظل عرضة للطعن والمناقشة، إذا كان الطريق الذي أوصل المفوض القضائي إلى تلك الشاشة طريقًا غير مشروع.
ومن هذا التأمل تنبثق قاعدة يراها هذا الكتاب حجر الزاوية في كل نظرية متماسكة للمعاينة الرقمية: المفوض القضائي يعاين، ولا يخترق؛ يُثبت، ولا يُنشئ؛ يصف الواقعة كما وُجدت، ولا يُسهم، بفعله أو بإجرائه، في صناعتها أو في الوصول إليها بطريق يأباه القانون. وهذه القاعدة، على بساطة صياغتها، تحمل في طياتها أسئلة شائكة ستُفرد لها فصول مستقلة: أسئلة الموافقة، وحدود الإذن، وطبيعة الأجهزة المفتوحة طوعًا أمام المفوض القضائي.
خامسًا — الحياد حين تتوسط الآلة
وقد يُخيَّل للناظر السطحي أن انتقال المفوض القضائي إلى العالم الرقمي يُحوّل مهمته من مهمة قانونية بامتياز إلى مهمة تقنية في جوهرها. غير أن الحقيقة، إذا تأملناها بعمق، هي نقيض ذلك تمامًا. فالحياد، في هذا السياق، لا يعني الامتناع عن استعمال الوسائل التقنية أو التوجس منها، وإنما يعني المحافظة، بصرامة لا تلين، على الحدود الفاصلة بين ثلاثة أمور قد تختلط بسهولة: ما قدّمه طالب المعاينة، وما قام به المفوض القضائي بنفسه من إجراء، وما ظهر فعلًا أمام عينيه أثناء انعقاد المعاينة. فإذا فتح صاحب الحق جهازه أو حسابه أمام المفوض القضائي، فإن ذلك لا يمنع، بطبيعة الحال، انعقاد المعاينة صحيحة، شريطة أن يعكس المحضر هذه الحقيقة بكل وضوح وشفافية، حتى لا يُفهم من صياغته أن المفوض القضائي هو من توصل إلى النتيجة بجهده المستقل، وهو ما لم يكن.
مسارات البحث التي يفتحها هذا الكتاب
إن المشكلة، كما يراها هذا الكتاب، لا تكمن في قبول المعاينة الإلكترونية أو في رفضها جملة وتفصيلًا، بل في إعادة تعريف مفهومها من جذوره، بما يليق بواقع قانوني يتغير بسرعة تفوق، في كثير من الأحيان، سرعة تطور النصوص التي يُفترض أن تحكمه. فالعالم الرقمي لا يُلغي وظيفة المفوض القضائي، لكنه يفرض عليه، وعلى الفقه الذي يواكب عمله، دقة أكبر بكثير في تحديد حدود هذه الوظيفة. ولذلك، فإن السؤال الذي طرحناه في مستهل هذه المقدمة — هل يمكن للمفوض القضائي أن يُعاين شاشة؟ — لم يعد هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نُتعب أنفسنا في الإجابة عنه، إذ أصبح الجواب عليه بديهيًا بالإيجاب. السؤال الحقيقي، الذي تنبني عليه فصول هذا الكتاب، هو سؤال آخر تمامًا: ما القيمة القانونية لما ظهر على هذه الشاشة؟
وهذا السؤال، بدوره، لا يُغلق بابًا واحدًا، بل يفتح أبوابًا متعددة، سيحاول هذا الكتاب أن يطرق كل واحد منها بما يستحقه من تأنٍّ وتفصيل:
- إشكالية المسؤولية عند تعدد الوسطاء التقنيين — حين تمر الواقعة الرقمية عبر منصة، ومزود خدمة، وشبكة اتصال، فأين تقف مسؤولية المفوض القضائي، وأين تبدأ مسؤولية هذه الوسائط التي لا سلطان له عليها؟
- حدود التمييز بين المعاينة والخبرة التقنية — متى يتجاوز الفحص الرقمي طاقة المفوض القضائي العادية ليستوجب الاستعانة بخبير مختص، وما هي المعايير الفاصلة بين ما يدخل في اختصاصه الأصيل وما يستوجب تفويضه لغيره؟
- المحتوى المشفّر والمنصات المغلقة — كيف تُعامَل المعاينة حين يكون المحتوى محميًا بتشفير من طرف إلى طرف، بحيث لا يملك حتى مزود الخدمة نفسه الاطلاع عليه؟
- البيانات الوصفية (Métadonnées) وقيمتها الإثباتية المستقلة — هل يمكن أن تتحول البيانات الخفية المرافقة للملف الرقمي، من تاريخ إنشاء وموقع جغرافي وسجل تعديلات، إلى محل مستقل للمعاينة، أدق وأصدق أحيانًا من المحتوى الظاهر ذاته؟
- المحتوى المولَّد أو المعدَّل بالذكاء الاصطناعي — وهي إشكالية ناشئة تهدد أساس الثقة في كل معاينة رقمية، إذ كيف يُعاين المفوض القضائي صورة أو تسجيلًا صوتيًا وهو يعلم أن أدوات التزييف العميق قد تجعل مما يراه ويسمعه انعكاسًا لا وجود لأصله؟
- البُعد العابر للحدود في الأدلة الرقمية — حين يكون الخادم الذي يستضيف المحتوى موجودًا خارج التراب الوطني، فما مدى نفاذ محضر المعاينة، وما علاقته بقواعد التعاون القضائي الدولي؟
- القراءة المقارنة لتجارب الأنظمة القانونية المجاورة — وبخاصة التجربة الفرنسية في عمل المحضِرين القضائيين (huissiers de justice) إزاء الإثبات الرقمي، وما استقر عليه اجتهادها من ضوابط تقنية ومنهجية يمكن الإفادة منها أو تجاوزها.
- أفق التطوير التشريعي للمادة 43 — وهل تستدعي هذه التحولات جميعها تدخلًا تشريعيًا صريحًا يُقنّن مفهوم "المعاينة المادية" على نحو يستوعب البيئة الرقمية، أم يكفي أن يتولى الفقه والاجتهاد القضائي مهمة هذا التأويل التوسعي دون المساس بحرفية النص؟
- حاجة المهنة إلى تكوين تقني متخصص — وما يستتبع ذلك من تساؤل حول الأدوات، والبروتوكولات، والحد الأدنى من المعرفة الرقمية التي ينبغي أن يُلمّ بها كل مفوض قضائي يُقدم على هذا النوع من المعاينات.
هذه المسارات، وغيرها مما سيتكشف عبر فصول هذا الكتاب، ليست هوامش عابرة، بل هي جسد الإشكال ذاته حين يُفكَّك إلى عناصره. ولا يزعم هذا الكتاب أنه سيُغلق كل باب من هذه الأبواب بجواب قاطع، فمثل هذا الزعم، في مادة لا تزال قيد التشكل، ضرب من التسرع لا يليق بمنهج البحث القانوني. غاية هذا الكتاب أن يمنح القارئ — سواء كان مفوضًا قضائيًا يمارس المهنة يوميًا، أو قاضيًا يواجه هذه المحاضر في ملفاته، أو باحثًا يتأمل تحولات الإثبات في زمن الرقمنة — إطارًا مفاهيميًا متماسكًا يُمكّنه من طرح الأسئلة الصحيحة قبل أن يطمئن إلى أي جواب.
وفي هذا وحده، فيما نحسب، تكمن قيمة كل مقدمة: أن تفتح الباب واسعًا، لا أن تُغلقه.